منتديات دلع الترفيهية

 

دخول الدردشة
« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: اوجعتني كلمات علي بن حمري (آخر رد :سمير كمال)       :: اوجعتني كلمات علي بن حمري (آخر رد :سمير كمال رامي كمال)       :: بنك التقنيات - إستفسارات علاجية متميزة! ج3 (آخر رد :جااسمة)       :: أسهل طريقة لعمل الكوكيز (آخر رد :سمير كمال)       :: أسهل طريقة لعمل الكوكيز (آخر رد :سمير كمال رامي كمال)       :: بنك التقنيات - إستفسارات علاجية متميزة! ج2 (آخر رد :جااسمة)       :: بنك التقنيات - إستفسارات علاجية متميزة! ج2 (آخر رد :جااسمة)       :: دورة الامن السيبراني (آخر رد :سمير كمال رامي كمال)       :: شعرسوداني روعه (آخر رد :زينب كريم)       :: دورة الامن السيبراني (آخر رد :سمير كمال)       :: بنك التقنيات - إستفسارات علاجية متميزة! ج1 (آخر رد :جااسمة)       :: حوار عن الاحترام (آخر رد :زينب كريم)       :: دبلومات تدريبية بشهادات معتمدة (آخر رد :سمير كمال رامي كمال)       :: نموذج تقرير جاهز (آخر رد :زينب كريم)       :: دبلومات تدريبية بشهادات معتمدة (آخر رد :سمير كمال)       :: كورس تعلم الفوتوشوب كامل من البدايه حتى الاحتراف | الشارح تك (آخر رد :نوريهاندى محمود)       :: حوار بين الكتاب والتلفاز (آخر رد :زينب كريم)       :: زيادة متابعين الفيسبوك وتويتر والانستقرام واليوتيوب وخدمات أخرى (آخر رد :الفهد الثائر)       :: تحميل برنامج حلول للكمبيوتر (آخر رد :زينب كريم)       :: تعليم الفتيات طريقة عمل الشال (آخر رد :سمير كمال رامي كمال)       :: التحقق من دعم الموارد البشرية برقم الهويه (آخر رد :زينب كريم)       :: تعليم الفتيات طريقة عمل الشال (آخر رد :سمير كمال)       :: فني ستلايت العاصمة (آخر رد :نور السعودد)       :: تمديد لتوقع أطوال الأمواج القادمة (آخر رد :alma22)       :: موسوعة الطبخ - حلويات (آخر رد :القلب الحكيم)      


العودة   ::: منتديات دلع - القلب الحكيم ::: > ][§¤°^°¤§][المكتبة العامة الشاملة][§¤°^°¤§][ > εïз::.. كتب ومؤلفات ..::εïз

εïз::.. كتب ومؤلفات ..::εïз كتب وكتيبات وسير وموسوعات ومراجع ومعاجم وترجم ومقامات ومقدمات ومؤلفات وقواميس وكتب قصص تاريخ وحاضر ومواد أدبية وعلمية وفي كل المجالات_مقروءة.

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-07-11, 04:39 PM   #1
 
الصورة الرمزية القلب الحكيم
 
تاريخ التسجيل: Jun 2006
المشاركات: 152,244
القلب الحكيم is on a distinguished road
افتراضي صيد_الكتب_لفؤاد_بن_عبد العزيز_الشلهوب

صيد الكتب
إعداد
فؤاد بن عبد العزيز الشلهوب

مقدمة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد:
بين يديك كتاب ضم حكما نافعة، وأقوالا جامعة، اصطدتها لك من كتب شتى، لتنعم بمطالعتها، وحيازة علمها. فــــــ:
فالعلم صيد والقيود صيده قيِّد صيودك بالحبال الواثقة
وجهدي في هذا السفر هو الصيد فقط، وإلا فالفضل كل الفضل لله وحده ثم لأهل الفضل الذين نقلنا كلامهم وأقوالهم.
نعم. قد أمهد للصيد بكلام يوضح المغزى من النقل، ويسفر عن وجهه ومعناه، وذلك من أجل أن يتمكن القارئ من التهام الصيد كله لا بعضه.
فهيا بنا إلى الصيد الأول:


براعة الاستهلال


إن كثيرا من الكتاب لا يحسن وضع مقدمة مناسبة لما هو بصدد الكتابة عنه، وهو ما يعرف عند علماء المعاني ببراعة الاستهلال. وخطبة الكتاب إذا كانت مناسبة لموضوع الكتاب فإن ذلك يهيئ الناظر فيه معرفة ما فيه، ويصور له بعبارة موجزة زبدة الموضوع أو الرسالة. وتكمن براعة الكاتب في القدرة على الدخول في موضوع الرسالة أو البحث دون أن يشعر القارئ بذلك، ولعل خطبة الإمام أحمد في كتابه (الرد على الزنادقة والجهمية) فيها بيان لبراعة الاستهلال وحسن البيان، وكان حقها أن تكتب بماء الذهب.
قال رحمه الله تعالى:
( الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم! ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عقال الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين..)[1].


الحث على التمسك بالسنةوالنهي عن البدعة

استفاض النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الصحب والسلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين في الحث على التمسك بالسنة، والنهي والتحذير من البدعة، فقال إمام المتقين صلى الله عليه وسلم: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) أي مردود على صاحبه. والصحب رضوان الله عليهم والسلف الصالح من بعدهم كانت لهم جهود مشكورة في حفظ السنة؛ ولو سقنا أخبارهم في هذا لطال بنا المقام، ولكن حسبنا قول ابن مسعود رضي الله عنه من الصحب الكرام، وقول الفضيل بن عياض من السلف الأعلام:
قال ابن مسعود أو أبي بن كعب رضي الله عنهما:
( عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله خاليا فاقشعر جلده من مخافة الله إلا تحاتت عنه خطاياه كما يتحات الورق اليابس عن الشجر، وما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله خاليا فدمعت عيناه من خشية الله إلا لم تمسه النار أبدا، وإن اقتصادا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة. فاحرصوا أن تكون أعمالكم -إن كانت اجتهادا أو اقتصادا -على منهاج الأنبياء وسنتهم)[2].
وقال الفضيل بن عياض رحمهالله: (في قوله تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا}[3] . قال: أخلصه وأصوبه. قيل له: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة).
وكان يقول:
)من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام، ومن زوج كريمته لصاحب بدعة فقد قطع رحمها، ومن انتهر صاحب بدعة ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا). [4]

ميراث الأنبياء
يعظم الشيء بعظم نفعه. والعلم الشرعي هو أنفع العلوم وأزكاها، بل إن المتأمل في قوله عليه الصلاة والسلام "... إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر" ليعلم عظم الميراث.
وإمام العلماء معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه - له قول حسن يحسن الوقوف عنده.
قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: (تعلموا العلم فإن تعليمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، منار سبل أهل الجنة، وهو الأنس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاء، يرفع الله به أقواما، فيجعلهم في الخير قادة وأئمة تقتص آثارهم، ويقتدى بفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، ترغب الملائكة في خدمتهم، وبأجنحتها تمسحهم، يستغفر لهم كل رطب ويابس، وحيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظلم، يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، والتفكر فيه يعدل الصيام، ومدارسته تعدل القيام، به توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال من الحرام، هو إمام العمل، والعمل تابعه، ويلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء)[5] .

شعرا

قال صالح بن جناح اللخمي:
نـموت وننسى غير أن ذنوبنا إذا نحن متنا لا تموت ولا تنسى
ألا رب ذي عينين لا تنفعانــه وهل تنفع العينان من قلبـه أعمى [6]

المبادرة إلى فعل الطاعات
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان
الوقت يمضي سريعا، واليوم الذي ينقضي لا يعود، والحياة دقائق وثوان، وحال الشباب غير حال المشيب، وحال الصحة غير حال المرض، وملك الموت لا يعصي الله ما أمره، والأجل قريب لا يختلف عن موعده، {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} الأعراف: 34 فالبدار البدار إلى فعل الطاعات وانتهاز الفرص.
قال ابن قيم الجوزية: (... أن الرجل إذا حضرت له فرصة القربة والطاعة، فالحزم كل الحزم في انتهازها، والمبادرة إليها، والعجز في تأخيرها، والتسويف بها، ولا سيما إذا لم يثق بقدرته وتمكنه من أسباب تحصيلها، فإن العزائم والهمم سريعة الانتقاض قلما تثبت، والله سبحانه يعاقب من فتح له بابا من الخير فلم ينتهزه، بأن يحول بين قلبه وإرادته، فلا يمكنه بعد من إرادته عقوبة له، فمن لم يستجب لله ورسوله إذا دعاه - حال بينه وبين قلبه وإرادته، فلا يمكنه الاستجابة بعد ذلك. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} الأنفال: 124. [7]




التعصب المذهبي

داء يسري في النفوس يحمل صاحبها على مخالفة الدليل من أجل مذهب درج عليه، فتراه ينافح عن قول إمامه ومذهبه وإن علم أن الحق بخلافه!. والأئمة الأربعة رحمهم الله، نصوا على الأخذ بالدليل وإن كان مخالفا لقولهم. وهذا من تعظيمهم رحمهم الله للأثر، وصرف أتباعهم إلى الأخذ بالدليل وأن يكونوا مع الدليل والحق حيثما دار. قال الإمام أبو حنيفة: (إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلى العين والرأس). وقال الإمام مالك: (ما من أحد إلا ويؤخذ من قوله ويترك، إلا صاحب هذا القبر- وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم). وقال الإمام الشافعي: (كل ما قلت، وكان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف قولي مما يصح، فحديث النبي صلى الله عليه وسلم أولى، ولا تقلدوني). وقال الإمام أحمد: (لا تكتبوا عني شيئا، ولا تقلدوني، ولا تقلدوا فلانا وفلانا - وفي رواية: مالكا، والشافعي، والأوزاعي، ولا الثوري - وخذوا من حيث أخذوا). [ومع أن الأئمة نصوا على عدم تقليدهم، والأخذ بالدليل وإن كان مخالفا لأقوالهم، إلا أن ذلك لم يمنع من وجود طائفة تعصبت لأقوال أئمتهم، وغلوا في ذلك غلوا كبيرا، فمن أقوال بعض المتعصبة:] قال الحصفكي في أبيات يمدح بها الإمام أبا حنيفة منها:
فلعنة ربنا أعداد رمل على من رد قول أبي حنيفة
وأنشد منذر بن سعيد عدة أبيات تصور حالة تشبث المالكية بقول الإمام بدون دليل فقال:
عذيــري من قوم يقولون كلمـا طلبت دليلا: هكذا قال مـالك
فإن عدت قالوا هكذا قال أشهـب وقد كـان لا تخفى عليه المسالك
فإن زدت قالوا: قال سحنون مثلـه ومــن لم يقل ما قاله فهو آفك
فإن قلت: قال الله، ضجوا وأكثروا وقالوا جميعا: أنت قـرن مماحك
وإن قلت: قد قال الرسول، فقولهم أتت مالكا في ترك ذاك المسالك
وقال إمام الحرمين الجويني الشافعي: (نحن ندعي أنه يجب على كافة العاقلين وعامة المسلمين شرقا وغربا، بعدا وقربا - انتحال مذهب الشافعي. ويجب على العوام الطغام والجهال الأنذال أيضا انتحال مذهبه بحيث لا يبغون عنه حولا، ولا يريدون به بدلا). وقال أحد الحنابلة:

أنا حنبلي ما حييت وإن أمت فوصيتي للناس أن يتحنبلوا
[ والحق هو اتباع الدليل والأخذ به ممن قاله، ولا يقدح ذلك فيمن ترك مذهبه في مسألة، ولا يعتبر مخالفا لإمامه، بل هو متبع له كما نصوا على ذلك].
قال أبو مزاحم الخاقاني في شعر له:

أقول الآن في الفقهاء قــولا على الإنصاف جد به اهتمامي
أرى بعد الصحابة تابعيهــم لـــذي فتياهم بهم ائتمامي
علمت إذا عزمت على اقتدائي بهم أني مصيب في اعتزامــي
وبعـد التـابعـين أئمـة لي سأذكر بعضهم عند انتظــام
فسفيان العـراق ومالـك في حـــجازهم وأوزاعي شام
ألا وابن المبـارك قــدوة لي نعــم والشافعي أخو الكرام
ممن أرتضــي فأبو عبيــد وأرضــى بابن حنبـل الإمام
فآخذ من مقالهم اختيــاري وما أنا بالمباهي والمســـامي
وأخذي باختـلافهم مبـاح لتوسيـع الإله على الأنــام
ولست مخالفا إن صح لي عن رسول الله قول بالكـــلام
إذا خالفت قول رسـول ربي خشيت عقاب رب ذي انتقـام
وما قال الرسول فلا خـلاف له يارب أبلغـه سلامــــي
صورة من صور التعصب: قال الطوفي: رأيت بعض العامة، وهو يضرب يدا على يد، ويشير إلى رجل، ويقول: ما هذا إلا زنديق، ليتني قدرت عليه، فأفعل به، وأفعل، فقلت: ما رأيت منه؟ فقال: رأيته وهو يجهر بالبسملة في الصلاة !. [8]


أصل عظيم

مسائل التكفير والتبديع من المسائل الشائكة التي تحتاج إلى نظر وتأمل في حال المعين، وهناك شروط لابد من توفرها، وموانع لابد من انتفائها، إلى أشياء كثيرة جدا يطول ذكرها. ولكن هناك من جرد لسانه وقلمه، وأطلق لهما العنان في الناس تكفيرا وتبديعا وتفسيقا، وكأنه قد تعبد بذلك! فإلى أولئك وغيرهم هذا الأصل العظيم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فإذا رأيت إماما قد غلظ على قائل مقالته أو كفره فيها، فلا يعتبر هذا حكما عاما في كل من قالها، إلا إذا حصل فيه الشرط الذي يستحق به التغليظ عليه، والتكفير له، فإن من جحد شيئا من الشرائع الظاهرة، وكان حديث العهد بالإسلام أو ناشئا ببلد جهل، لا يكفر حتى تبلغه الحجة النبوية.
وكذلك العكس إذا رأيت المقالة المخطئة قد صدرت من إمام قديم فاغتفرت، لعدم بلوغ الحجة له، فلا يغتفر لمن بلغته الحجة ما اغتفر للأول، فلهذا يبدع من بلغته أحاديث عذاب القبر ونحوها إذا أنكر ذلك، ولا تبدع عائشة ونحوها ممن لم يعرف بأن الموتى يسمعون في قبورهم، فهذا أصل عظيم فتدبره فإنه نافع).[9]

المتكلفون في قراءة القرآن

يعمد بعض القراء إلى تكلف في إخراج الحروف والمدود، فتجده مصروفا عن تدبر كلام رب العالمين إلى تقليب نغمة الصوت، وتكلف الأداء، والمبالغة في تجويد القراءة. ولم يكن على ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أمره، ولا السلف الصالح من بعده، بل كانت قراءتهم وسطا لا غلو فيها ولا تفريط، وكانوا يسألون الله عند آيات الوعد، ويفرقون من آيات الوعيد، ولهم مع قصصه عبر، وفي آياته نظر. {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب}(ص: 29).
وللذهبي رحمه الله، كلام فيمن بالغ وتكلف في تجويد الكتاب العزيز. يقول: فالقراء المجودة: فيهم تنطع وتحرير زائد يؤدي إلى أن المجود القارئ يبقى مصروف الهمة إلى مراعاة الحروف والتنطع في تجويدها بحيث يشغله ذلك عن تدبر معاني كتاب الله، ويصرفه عن الخشوع في التلاوة ويخليه قوي النفس مزدريا بحفاظ كتاب الله تعالى، فينظر إليهم بعين المقت وبأن المسلمين يلحنون وبأن القراء لا يحفظون إلا شواذ القراءة. فليت شعري أنت ماذا عرفت وماذا عملت؟ فأما علمك فغير صالح، وأما تلاوتك فثقيلة عرية من الخشعة والحزن والخوف، فالله تعالى يوفقك ويبصرك رشدك ويوقظك من مرقدة الجهل والرياء.
وضدهم قراء النغم والتمطيط، وهؤلاء من قرأ منهم بقلب وخوف قد ينتفع به في الجملة، فقد رأيت منهم من يقرأ صحيحا ويطرب ويبكي، ورأيت منهم من إذا قرأ قسَّى القلوب وأبرم النفوس وبدل الكلام، وأسوأهم حالا الجنائزية.
وأما القراءة بالروايات وبالجمع فأبعد شيء عن الخشوع وأقدم شيء على التلاوة بما يخرج عن القصد، وشعارهم في تكثير وجوه حمزة وتغليظ اللامات وترقيق الراءات. اقرأ يا رجل وأعفنا من التغليظ والترقيق وفرط الإمالة والمدود ووقوف حمزة إلى كم هذا!.
وآخر منهم إن حضر في ختم أو تلا في محراب جعل ديدنه إحضار غرائب الوجوه والسكت والتهوع بالتسهيل وأتى بكل خلاف ونادى على نفسه أن (أبو اعرفوني) فإني عارف بالسبع. إيش نعمل بك؟ لا وصبحك الله بخير إنك حجر منجنيق ورصاص على الأفئدة. [10]

الزيارة الشرعية والزيارةالبدعية
عظمت الفتنة واشتد الخطب في أقوام غلوا في بشر مثلهم، فتراهم ركعا سجدا عند القبر، يدعونه من دون الله، ويسألونه حاجاتهم، وإذا أنكرت عليهم قالوا: إنما نتوسل بهم لكونهم أولياء أتقياء ونحن مذنبون ضعفاء!.
وحال الزائر للقبر لا يخلو إما أن يكون مطيعا لمولاه متبعا لنبيه، أو عاصيا مشركا بالله مبتدعا في دينه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فإن الزيارة الشرعية عبادة لله، وطاعة لرسوله، وتوحيد لله وإحسان إلى عباده، وعمل صالح من الزائر يثاب عليه و (الزيارة البدعية) شرك بالخالق، وظلم للمخلوق، وظلم للنفس. فصاحب الزيارة الشرعية هو الذي يحقق قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] ألا ترى أن اثنين لو شهدا جنازة، فقام أحدهما يدعو للميت، ويقول: اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وأعذه من عذاب النار وعذاب القبر، وأفسح له في قبره ونور له فيه، ونحو ذلك من الدعاء له. وقام الآخر فقال: يا سيدي! أشكو لك ديوني، وأعدائي وذنوبي، أنا مستغيث بك، مستجير بك، أغثني! ونحو ذلك، لكان الأول عابدا لله، محسنا إلى خلقه، محسنا إلى نفسه بعبادة الله ونفعه عباده، وهذا الثاني مشركا مؤذيا ظالما معتديا على الميت ظالما لنفسه. [11]

وساوس الشيطان

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والمؤمن يبتلى بوساوس الشيطان، وبوساوس الكفر التي يضيق بها صدره. كما قالت الصحابة: يا رسول الله، إن أحدنا ليجد في نفسه ما لئن يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به. قال: "ذاك صريح الإيمان" وفي رواية: ما يتعاظم أن يتكلم به. قال: "الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة" أي حصول هذا الوسواس مع هذه الكراهية العظيمة له ودفعه عن القلب هو من صريح الإيمان، كالمجاهد الذي جاءه العدو فدافعه حتى غلبه؛ فهذا أعظم الجهاد، و(الصريح ) الخالص، كاللبن الصريح. وإنما صار صريحا لما كرهوا تلك الوساوس الشيطانية ودفعوها فخلص الإيمان فصار صريحا.
ولابد لعامة الخلق من هذه الوساوس؛ فمن الناس من يجيبها فيصير كافرا أو منافقا، ومنهم من قد غمر قلبه الشهوات والذنوب فلا يحس بها إلا إذا طلب الدين، فإما أن يصير مؤمنا وإما أن يصير منافقا؛ ولهذا يعرض للناس من الوساوس في الصلاة ما لا يعرض لهم إذا لم يصلوا، لأن الشيطان يكثر تعرضه للعبد إذا أراد الإنابة إلى ربه والتقرب إليه والاتصال به؟ فلهذا يعرض للمصلين ما لا يعرض لغيرهم، ويعرض لخاصة أهل العلم والدين أكثر مما يعرض للعامة، ولهذا يوجد عند طلاب العلم والعبادة من الوساوس والشبهات ما ليس عند غيرهم، لأنه لم يسلك شرع الله ومنهاجه؟ بل هو مقبل على هواه في غفلة عن ذكر ربه. وهذا مطلوب الشيطان بخلاف المتوجهين إلى ربهم بالعلم والعبادة فإنه عدوهم يطلب صدهم عن الله. قال تعالى: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا} (فاطر: 6) ولهذا أمر قارئ القرآن أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فإن قراءة القرآن على الوجه المأمور به تورث القلب الإيمان العظيم، وتزيده يقينا وطمأنينة وشفا، قال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} (آل عمران: 138)، وقال تعالى: {هدى للمتقين} (البقرة: 2) وقال تعالى: {فأما الذين آم نوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون} (التوبة: 124). [12]

إمام الشيعة الحادي عشر ليسله عقب
لقد قيدت عقائد الشيعة أهلها بأغلال لا يستطيع معها الشيعي أن ينفك منها بحال إلا من أراد الله به خيرا، فالتقية، والبدا، والغيبة - وغيرها من العقائد التي ابتدعها غلاة الشيعة -آصار وأغلال تشد الشيعي إلى مذهبه وتختم على سمعه وبصره وتجعل على قلبه غشاوة. والشيعة الإمامية تعتقد أن هناك اثنا عشر إماما من نسل علي رضي الله عنه، وهم يعتقدون أن الإمامة منصب إلهي كالنبوة، ولهم معجزات وخوارق، بل إن الغلاة منهم ألبسوهم صفة الألوهية! والشيعة الإمامية تدعي أن هناك اثنا عشر إماما - كما سبق - فظهر منهم أحد عشر، والإمام الثاني عشر قالوا عنه: أنه غائب وسوف يظهر من سرداب في (سامراء) في العراق! - وأنى لهم ذلك - حتى قيل فيهم:
ما آن للسرداب أن يلد الذي كلمتموه بجهلكم ما آنا
فعلى عقولكم العفاء فإنكـم ثلثتم العنقاء والغيلانـا
ولما أراد الله أن يهتك سترهم جعل إمامهم الحادي عشر وهو الحسن العسكري عقيما لا ينجب!.
يقول الشيخ ناصر القفاري حفظه الله: لقد توفي الحسن العسكري -إمامهم الحادي عشر-سنة 260 هـ بلا عقب كما قاله كبار المؤرخين ، [13] واعترفت كتب الشيعة بأنه (لم ير له خلف ولم يعرف له ولد ظاهر، فاقتسم ما ظهر من ميراثه أخوه جعفر وأمه)، واضطرب الشيعة بعد وفاة الحسن بلا ولد، وتفرقوا - فيمن يخلفه - فرقا شتى بلغت كما يقول المسعودي عشرين فرقة، أو خمس عشرة فرقة كما يقول القمي، حتى أن بعضهم قال إن الإمامة قد انقطعت، وكاد أن يكون موت الحسن بلا عقب نهاية الشيعة والتشيع حيث سقط عموده وهو (الإمام)، ولكن فكرة (غيبة الإمام) كانت هي القاعدة التي قام عليها كيان الشيعة بعد التصدع، وأمسكت بنيانه عن الانهيار. لهذا أصبح الإيمان بغيبة ابن للحسن العسكري هو المحور الذي تدور عليه عقائدهم ودان بذلك أكثر الشيعة بعد تخبط واضطراب لم يكن لهم من ملجأ إلا ذلك. [14]


كلام بليغ

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لكميل بن زياد النخعي:
يا كميل، إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها للخير، والناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق، ثم قال: إن ههنا لعلما - وأشار بيده إلى صدره - لو أصبت له حملة لقد أصبت لقنا غير مأمون يستعمل الدين للدنيا، ويستظهر بحجج الله على كتابه وبنعمه على معاصيه، أف لحامل حق لا بصيرة له، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، لا يدري أين الحق، إن قال أخطأ وإن أخطأ لم يدر، مشغوف بما لا يدري حقيقته، فهو فتنة لمن فتن به، وإن من الخير كله من عرفه الله دينه وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف دينه. [15]








كثير من الناس لا يصلون لاإلى اليقين ولا إلى الجهاد
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
( وكل مؤمن لابد أن يكون مسلما، فإن الإيمان يستلزم الأعمال، وليس كل مسلم مؤمنا هذا الإيمان المطلق، لأن الاستسلام لله والعمل له لا يتوقف على هذا الإيمان الخاص، وهذا الفرق يجده الإنسان من نفسه ويعرفه من غيره، فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر أو ولدوا على الإسلام والتزموا شرائعه، وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله، فهم مسلمون ومعهم إيمان مجمل، ولكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم إنما يحصل شيئا فشيئا إن أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثير من الناس لا يصلون إلى اليقين ولا إلى الجهاد، ولو شككوا لشكوا، ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا وليسوا كفارا ولا منافقين، بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب، ولا عندهم من قوة الحب لله ولرسوله ما يقدمونه على الأهل والمال، وهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة، وإن ابتلوا بمن يورد عليهم شبهات توجب ريبهم، فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب وإلا صاروا مرتابين وانتقلوا إلى نوع من النفاق) . [16]

ماذا يعني الطعن في الصحابة

لا زالت مسامعنا وأعيننا تتألم مما تراه وتسمع من كلمات تطعن في خير القرون. وهذا الطعن إما صريحا لا مواربة فيه، أو مستترا بعبارات مجملة تروج على العوام، وتدمي قلب أهل العلم والإيمان. فالطاعن في الصحابة الكرام متهم في دينه، ساقط المروءة، وهو إلى الزندقة أقرب. ولو كان لي من الأمر شيء لجعلت الحسام ينال منه. وكفى بهذا الطاعن أنه يرد ما دلت عليه النصوص القرآنية والنبوية، من الثناء عليهم وبيان فضلهم على من بعدهم، فماذا بعد تعديل الله لهم؟ وماذا بعد ثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم؟!.
قال الشافعي: (هم فوقنا في كل علم وعقل ودين وفضل، وكل سبب ينال به علم أو يدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا [17]
وقال أبو زرعة الرازي: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعلم أنه زنديق، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة) [18]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فإن القدح في خير القرون الذين صحبوا الرسول صلى الله عليه وسلم قدح في الرسول عليه السلام، كما قال مالك وغيره من أئمة العلم: هؤلاء طعنوا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما طعنوا في أصحابه ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلا صالحا لكان أصحابه صالحين.
وأيضا فهؤلاء الذين نقلوا القرآن ، والإسلام، وشرائع النبي صلى الله عليه وسلم، وهم الذين نقلوا فضائل علي وغيره، فالقدح فيهم يوجب أن لا يوثق بما نقلوه من الدين...).
ثم قال: (والقرآن قد أثنى على الصحابة في غير موضع كقوله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه" [التوبة: 100] وقوله تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} [الحديد: 10].
وقال تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأة فآزرة فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار} [الفتح: 29] وقال تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا} [الفتح: 18].
وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة)، وفي الصحيحين عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تسبوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه"، وقد ثبت عنه في الصحيح من غير وجه أنه قال: "خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم". وهذه الأحاديث مستفيضة بل متواترة في فضائل الصحابة، والثناء عليهم، وتفضيل قرنهم على من بعدهم من القرون، فالقدح فيهم قدح في القرآن والسنة). [19]

مناظرة ابن عباس للحرورية

المناظرة سلاح ماض في دفع الشبهة، وقمع البدعة، وهي لا تكون إلا لفئة من الرجال أوتوا علما وفهما لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومعرفة لما عند الخصوم من الشبه وكيف الرد عليها، ولديهم من القوة على إقامة الحجج التي تلزم الخصم ولا يستطيع لها دفعا. ولا ينبغي لمن كانت بضاعته في العلم قليلة أن يناظر أهل البدع ونحوهم، وخصوصا إذا كان ذلك المبتدع أقوى منه حججا وأكثر علما، لكي لا يؤتى الإسلام من قِبَله.
وابن عباس رضي الله عنهما، له مناظرة مشهورة عند أهل العلم والنقل مع الحرورية الذين أرادوا الخروج على علي رضي الله عنه، ولقد ساقها ابن عبد البر في جامعه فكان مما جاء فيها:
( قالوا: ما جاء بك [يا ابن عباس]؟ فقال: جئتكم من عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس فيكم منهم أحد، ومن عند ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله، جئت لأبلغكم عنهم وأبلغهم عنكم؟ فقال بعضهم: لا تخاصموا قريشا فإن الله يقول: {بل هم قوم خصمون} [الزخرف: 58] فقال بعضهم: بلى فلنكلمنه. قال: فكلمني منهم رجلان أو ثلاثة. قال: قلت: ماذا نقمتم عليه؟. قالوا: ثلاثا. فقلت: ما هن؟ قالوا: حكم الرجال في أمر الله. وقال الله: {إن الحكم إلا لله} [الأنعام: 57]. قال: قلت: هذه واحدة، وماذا أيضا؟ قال: فإنه قاتل ولم يسب ولم يغنم فلئن كانوا مؤمنين ما حل قتالهم ولئن كانوا كافرين لقد حل قتالهم وسباؤهم. قال: قلت: وماذا أيضا؟ قالوا: ومحا نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين، فهو أمير الكافرين.
قال: قلت: أرأيتكم إن أتيتكم من كتاب الله وسنة رسوله ما ينقض قولكم هذا أترجعون؟ قالوا: وما لنا لا نرجع؟ قال: قلت: أما قولكم: حكم الرجال في أمر الله فإن الله تعالى قال في كتابه: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم} [المائدة: 95] وقال في المرأة وزوجها: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها} [النساء: 35] فصير الله ذلك إلى حكم الرجال، فنشتدكم الله، أتعلمون حكم الرجال في دماء المسلمين، وإصلاح ذات بينهم أفضل، أو في دم أرنب ثمن ربع درهم، وفي بضع امرأة؟ قالوا: بلى هذا أفضل. قال: أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم.
قال: فأما قولكم: قاتل ولم يسب ولم يغنم. أفتسبوا أمكم عائشة؟ فإن قلتم نسبيها فنستحل منها ما نستحل من غيرها فقد كفرتم، وإن قلتم ليست بأمنا فقد كفرتم، فأنتم تترددون بين ضلالتين. أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم.
قال: وأما قولكم: محا نفسه من إمرة المؤمنين، فأنا آتيكم بمن ترضون، إن نبي الله يوم الحديبية حين صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو قال رسول الله: اكتب يا علي: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو سفيان وسهيل بن عمرو: ما نعلم أنك رسول الله، ولو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إنك تعلم أني رسولك، امح يا علي واكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وأبو سفيان وسهيل بن عمرو".
قال: فرجع منهم ألفان وبقي بقيتهم فخرجوا فقتلوا أجمعين). [20]
كيف نتعامل مع العصاة؟

قال ابن رجب رحمه الله تعالى: (واعلم أن الناس على ضربين:
أحدهما: من كان مستورا لا يعرف بشيء من المعاصي، فإذا وقعت منه هفوة أو زلة فإنه لا يجوز هتكها ولا كشفها ولا التحدث بها، لأن ذلك غيبة محرمة، وهذا هو الذي وردت فيه النصوص، وفي ذلك قال الله تعالى: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة} (النور: 19) والمراد إشاعة الفاحشة على المؤمن فيما وقع منه، أو اتهم به مما هو بريء منه، كما في قصة الإفك.
قال بعض الوزراء الصالحين لبعض من يأمر بالمعروف: اجتهد أن تستر العصاة، فإن ظهور معاصيهم عيب في أهل الإسلام، وأولى الأمور ستر العيوب، ومثل هذا لو جاء تائبا نادما، وأقر بحد ولم يفسره، ولم يستفسر، بل يؤمر بأن يرجع ويستر نفسه كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ماعزا والغامدية، وكما لم يستفسر الذي قال: (أصبت حدا فأقمه علي). ومثل هذا لو أخذ بجريمته، ولم يبلغ الإمام بها، فإنه يشفع له حتى لا يبلغ الإمام. وفي مثله جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم" خرجه أبو داود والنسائي من حديث عائشة.
والثاني: من كان مشتهرا بالمعاصي، معلنا بها، ولا يبالي بما ارتكب منها، ولا بما قيل لـه، فهذا هو الفاجر المعلن، وليس له غيبة، كما نص على ذلك الحسن البصري وغيره، ومثل هذا لا بأس بالبحث عن أمره، لتقام عليه الحدود، وصرح بذلك بعض أصحابنا، واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "واغد يا أنس إلى امرأة هذا، فان اعترفت فارجمها" وهـ ومثل هذا لا يشفع له إذا أخذ، ولو لم يبلغ السلطان بل يترك حتى يقام عليه الحد ليكشف ستره، ويرتدع به أمثاله) . [21]

تدافع الفتوى

التصدر للفتيا في سن مبكرة وقبل التأهل لذلك مزلق خطر، وشرر مستطر، يوقع صاحبه في مهاوي الردى - نسأل الله السلامة والعافية.
وكثير من مجالس الشببة فيها من أمثال هذا النوع، بل إن منهم من يفتي بالنوازل! وقد يفتي بأمر لو نزل على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لجمع له أهل بدر!! ولكن هو حب الرياسة، وحب الظهور، وحب الشهرة، ولن يغني ذلك عنه من الله شيئا. وتدافع الفتوى مسلك غلب على أئمة الدين، فكل واحد منهم يود لو أن أخاه كفاه، وفي عصورنا المتأخرة ظهر عكس تدافع الفتوى، وهو التهافت على الفتوى. وإليك بعض أخبار سلفنا الصالح في ذلك:
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم -أراه قال : في المسجد- فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا.
وعن معاوية بن أبي عياش، أنه كان جالسا عند عبد الله بن الزبير، وعاصم ابن عمر. قال: فجاءهما محمد بن إياس بن البكير فقال: إن رجلا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها. فماذا تريان؟ فقال عبد الله بن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة فإني تركتهما عند عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فسلهم، ثم ائتنا فأخبرنا. فذهب فسألهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة، فقد جاءتك معضلة. فقال أبو هريرة: الواحد تبينها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره.
وقال سحنون: إني لأحفظ مسائل منها ما فيه ثمانية أقوال من ثمانية أئمة من العلماء فكيف ينبغي أن أعجل بالجواب حتى أتخير، فلم ألام على حبسي الجواب؟
وعن سفيان بن عيينة قال: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما. وقال ابن وهب: وأخبرنا موسى بن علي أنه سأل ابن شهاب عن شيء، فقال ابن شهاب: ما سمعت فيه بشيء وما نزل بنا.
وعن محمد بن سيرين قال: قال حذيفة: إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: رجل يعلم ناسخ القرآن ومنسوخه، وأمير لا يجد بدا، وأحمق متكلف. قال ابن سيرين: فأنا لست بأحد هذين، وأرجو أن لا أكون أحمق متكلفا. [22]

[1] - )- الفتاوى 4/217)

[2] - الفتاوى 11/600.

[3] - هود: 7.

[4] - الفتاوى 11/600.

[5] - - جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر / المختصر ص 53.

[6] - مختصر جامع بيان العلم وفضله، ص 38 (حاشية).

[7] - زاد المعاد / ابن القيم (3/574).

[8] - زوابع في وجه السنة/ صلاح الدين مقبول أحمد، ص 222، 224، 225، ومختصر (جامع بيان العلم وفضله / لابن عبد البر/ ص 253) (قول الطوفي في شرح مختصر الروضة 2/165).

[9] - الفتاوى (6/61).

[10] - - نقلا من بدع القراء القديمة والمعاصرة/ بكر أبو زيد، ص 24.

[11] - الفتاوى (6/265).

[12] - (الفتاوى (7/282-283).

[13] - ذكر الطبري في حوادث سنة 302 هـ أن رجلا ادعى - في زمن الخليفة المقتدر- أنه محمد بن الحسن العسكري بن علي بن موسى بن جعفر، فأمر الخليفة بإحضار مشايخ آل أبي طالب وعلي رأسهم نقيب الطالبين أحمد بن عبد الصمد المعروف بابن طومار فقال له ابن طومار: لم يعقب الحسن. وقد ضج بنو هاشم من دعوى هذا المدعي وقالوا: يجب أن يشهر هذا بين الناس ويعاقب أشد العقوبة. فحمل على جمل وشهر به في الجانبين يوم التروبة ويوم عرفة، ثم حبس في حبس المصريين بالجانب الغربي.

[14] - مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة. القسم الأول ص 350 وبيتا الشعر ص 357 وكلام الطبري في الحاشية من نفس الصفحة.

[15] - في لسان العرب: التلقين التفهيم، وفلان لقن: سريع الفهم (ج 13 -مادة لقن )/ مختصر جامع العلم وفضله، ص 296.

[16] - الفتاوى 7/270-271.

[17] - الفتاوى 4/158.

[18] - كتاب الردود لبكر أبو زيد ص 400.

[19] - الفتاوى 4/429-430.

[20] - جامع بيان العلم وفضله (المختصر ص 285- 286).

[21] - جامع العلوم والحكم 2/185-186.

[22] - جامع العلوم والحكم لابن رجب ص 354- 356.
القلب الحكيم غير متصل   رد مع اقتباس
 

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة



http://www.wiseheart6.com/

wiseheart6@gmail.com
wiseheart6@yahoo.com
wiseheart6@hotmail.com

0096566467666
0096569666356
twitter
facebook
facebook
tumblr
blogspot
telegram
telegram
instagram
vk
linkedin
 


الساعة الآن 01:01 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. By wadifatima
جميع الحقوق محفوظة لـ منتديات دلع الترفيهية

تصميم شركة سبيس زوون للأستضافة والتصميم وحلول الويب ودعم المواقع